تجليات بصرية: صبر

تقف وتقف وتطيل الوقوف، وتنظر بعيداً، أمامك صحراء قاحلة، لا ترى إلا رمالًا وجفاف. لكنك رغم ذلك تصمد كبحرٍ هادئ، يخفي في أعماقه صبراً لا ينفد. عيناك صبر يحدق في الأفق البعيد حيث يُشِعّ النور، تذكر مصدر النور، فتنغرس في داخلك بذور الرجاء.

تقف وتقف، وتطيل الوقوف، مدركاً بأن سنن الله في كونه تحتم قدوم الفرج، لا يشد من عزيمتك سوى رجاؤك في الله وحده ويقينك بقدوم الفرج.

لله تقف، وبالله تقف، لأنك تدرك أن الصبر كله خير، تذكر اسم الله “الصبور”، تستعين بالله لتقف ثم تقف وتطيل الوقوف، حتى ينكشف عنك ما يثقل كاهلك.

الكاميرا: RICOH GR IIIx

تجليات بصرية: ذبول

في الذبول جمال خفي، لا يرى بالعين إنما يتذوق بالوجدان..

جمال نلمح فيه حقائق ومعانٍ خفية، إذ أن ذبول الشجرة يذكرنا بأن النهاية ليست إلّا خطوة لابد منها لبداية جديدة، وأن الشدّة مهما طالت لابد وأن يعقبها الفرج..

 
ملتقطة بكاميرا Ricoh GR iii x

موسيقى ريويتشي ساكاموتو

أحببت أعمال الموسيقي الياباني ريوشي ساكاموتو بسبب فيلم The Revenant وهو فيلم بالإضافة إلى موسيقاه التي تتغلغل في الوجدان يمثل تحفة بصرية في تصويره السينمائي البديع، ويحمل معنى فلسفي عميق في تناوله لفكرة الشر والغريزة والطبيعة.

 

وقد ذكر مخرج الفيلم أليخاندرو إنياريتو بأنه اختار ساكامتو على وجه الخصوص لتأليف الموسيقى التصويرية للفيلم بسبب قدرته على استلهام النغمات والألحان من الطبيعة، ولعل هذا ما يفسر عذوبة موسيقى ساكاموتو وسلاستها كأنك تتداعى بهدوء في نهر متدفق لا بداية له ولا نهاية.

الفن الآياتي: محاولة أولى

قدمت الشهر الماضي لقاءاً في نادي إقرأ وفكر في مكتبة صوفيا بالرياض عن موضوع شغل حيز كبير من اهتمامي مؤخراً وهو العلاقة بين الفن والجمال والروح، ودور الفن في إدراك الجمال الروحي.

بينت في اللقاء كيف يمكن للفن أن يكون أداة لتحقيق الغاية التعبدية للإنسان ووسيلة له في الترقي في درجات التزكية الروحية.

وللتمثيل على ذلك استعرضت نماذج من أعمال الصديق المبدع محمد الجريبي تبين كيف يمكن للصورة أن تجعل المشاهد لها ينظر للعالم نظرة “آياتية”، أي بكونه آية من آيات الله وليس مجرد مجموعة من الظواهر المادية.

و”النظر الآياتي” للوجود هو نظر روحي خاص يجعل الإنسان يتذوق الجمال في كل ما يدركه في الوجود حيث يصبح دليل إلى الله تعالى والى التعرف عليه. ولأن الله تعالى هو الجميل جمالاً مطلقاً فإن التعرف عليه يورث أقصى قدر من الشعور بالجمال.

 

الشغف المؤجل

شُغِفْت منذ عرفت نفسي بالتصوير، ولوالدي أثر في ذلك فقد كان شغوفاً بالتصوير كذلك.

سعيت باستمرار لتعلم تقنيات و آليات التصوير، والبحث عن أحدث إصدارات الكاميرات وميّزاتها. وكنت في صغري أتخيلني عند الكبر وقد غدوت مصوراً محترفاً يشار له بالبنان، وكنت شديد التعلق بذلك الحلم.

ولكن حلمي اصطدم بجدار التشتت وفتور الهمة، فلا ألبث أن أبدأ مشروعاً تصورياً وأنتج بعضاً من الصور حتى تَفتُر عزيمتي، فأُلقي الكاميرا في غياهب الأدراج لأشهر وأنساها تماماً، ثم تتقد بعد فترة شعلة الحماس ولكن لا تلبث أن تعود وتفتر، وهكذا دواليك منذ ما يقارب ال ٢٠ عام!!

مؤخراً تحول اهتمامي بالتصوير نحو الأغراض الشخصية، فأصبحت أحرص على تصوير أبنائي واللحظات العائلية أكثر من أي شيء آخر.

أجدني اليوم غارقاً في وسط كومة من المشاريع المؤجلة في مجالات اهتمامي المتنوعة، التصوير والقراءة والثقافة والصحة، ورجائي بالله كبير في أن يرزقني صبراً يمكنني من المضي قدماً بعزيمة راسخة في المشاريع التصويرية ومشاريعي الأخرى، لا تدري لعل حلم الطفولة يتحقق يوماً بعون من الله وتوفيقه.

كتاب: بدو البدو

من أجمل ما قرأت مؤخراً كتاب بعنوان “بدو البدو”، وهو عبارة عن بحث ميداني قام به الأنثروبولوجي دونالد كول عن فرع العذبة من قبيلة آل مرة، والذين كانت ديارهم تقع في منطقة نائية في وسط الربع الخالي، وبسبب عزلتهم الشديدة عن التجمعات البشرية الأخرى وصفهم الباحث بأنهم (بدو البدو).

قدم كول إلى المملكة في ١٩٦٨ وعاش في وسط القبيلة لمدة ١٨ شهر متواصلة، ووثق في دراسته تفاصيل حياتهم الاجتماعية والشخصية والعائلية وعلاقتهم بالقبائل والمدن الأخرى وحياتهم الدينية، وعن صداقته الوثيقة بمرافقيه “حران والكربي”، وعن معيشتهم التي تتمحور حول عنصرين، الإبل والماء.

لابد وأن يتساءل القارئ وهو يتمعن في تفاصيل الحياة القاسية التي عاش فيها هؤلاء البدو عن الكيفية التي استطاعوا فيها الاستمرار في العيش في الربع الخالي، ولابد وأن يتساءل عن سبب تعلقهم ببيئتهم وعشقهم لها وبغضهم لحياة المدينة حينذاك وتفضيلهم العيش في البادية بكل ظروفها الصعبة عليها، والباحث نفسه ووقع في عشق البادية وألف العديد من الأبحاث بعد ذلك عنها واعتنق الإسلام لاحقا. 

‏ولكن الكتاب مليء بالتفاصيل التي تجعل القارئ يدرك الأسباب، وأولها العادات التي تشكلت على مدار القرون والتي مكنت البدوي في الربع الخالي من التكييف النفسي أولا مع الظروف الصعبة للبادية.

التصوير وفوضى المعنى وحقيقة الوجود

Vilém Flusser, Philosoph, 1984, FH Bielefeld, Symposium, Fotosymposium, Hörsaal. Prof.

تحدث الفيلسوف والناقد الثقافي البرازيلي من أصل تشيكي ڤِيلِم فْلَسَر في كتابه “نحو فلسفة في التصوير الفوتوغرافي” عن أثر التصوير الفوتوغرافي في تشكيل معنى “الحقيقة” في المجتمع الحديث، فيرى فْلَسَر أن اختراع الكاميرا يماثل في أهميته اختراع الكتابة الخطية من ناحية أنها غيرت جذرياً من طريقة تعبيرنا عن الواقع وإدراكنا له، فالصورة هي وسيلة يعبر بها المصور عن نظرته للحقيقة، ويشكّل بها المشاهد رؤيته للعالم وإدراكه للحقائق.

ولكن هل تنقل لنا الصورة الواقع بشكل موضوعي بلا تحيز؟ يرى فْلَسَر بأن الصورة لا تمثل نقلاً موضوعياً للواقع كما نظن بل هي مُخرَج إبداعي ناتج من تفاعل لحظي معقد ما بين المصور وآلة التصوير وموضوع الصورة. بالتالي لا تُعبر الصورة عن زمان معين ومكان محدد، بل تجرد اللحظة من عنصر الزمان وتجرد الموضوع من أبعاد المكان وتنقل المشهد للمشاهد عبر مخيال المصور مقيداً بالمواصفات التقنية للكاميرا وأدوات طباعة الصورة ووسائل نشرها. 

ويرى فْلَسَر أن أداة التصوير تلعب دوراً محورياً في تشكيل نظرتنا للحقيقة، فالكاميرا تضع الشروط المسبقة للصورة، فالمصور يتحرك بحدود ما تسمح له قدرات الكاميرا ومواصفاتها سواء كانت المواصفات الظاهرة مثل حجم فتحة العدسة وسرعة الغالق، أو المواصفات الخفية كالعمليات الإلكترونية والميكانيكية الدقيقة بداخل الكاميرا، بالتالي تضع هذه المواصفات قيوداً على حرية المصور في التعبير عن تصوره للواقع كما يشاء.

ماهي تبعات هذا الفهم للتصوير؟ ينتج عن ذلك إدراكنا بأن الصورة ليست مجرد تجميد للحظة بل هي أداة تعبير مرئية تتأثر بأحوال مصورها ونواياه وبالمواصفات التقنية لأدوات التصوير وغيرها من الظروف المتغيرة المحيطة بالعناصر الثلاث للصور (المصور، أدوات التصوير، الموضوع).

وهذا المفهوم ينطبق على كل المواد المرئية على حد سواء، سواء كانت صوراً أو مشاهد متحركة، ومع انتشار وسائل التصوير الرقمي والتدفق الهائل للصور في هذا العصر أصبحت المواد الإعلامية هي واسطة الإنسان لإدراك الواقع سواء كانت معروضة في التلفاز أو منشورة في مواقع التواصل أو واردة إلينا عبر تطبيقات المحادثات، وبما أن كل مادة مرئية تعكس نظرة صانعها للواقع، وبما أن فيضان الصور والمقاطع الذي يتسم به العصر الحديث يباغت الإنسان فلا يسمح له بالتمعن والتفكر فيما يشاهده استكشاف مضامينه وإدراك حقيقة المعنى الذي أراد صانعه إيصاله، كل هذا يؤدي إلى صنع واقع مبعثر، متضارب الغايات، مشتت المعنى، يعجز فيه الإنسان عن فهم حقيقته، فهو يلجأ للصور والمشاهد سعياً لإدراك الحقائق المنقولة عبرها ولكن ينتهي بأن تصبح ظاهر الصورة هي الحقيقة في نظره.

 

 

تجليات بصرية: المُغيث

“الغيّاث هو المُغيث، ومعناه: المُدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجُيبهم ومخلّصهم”

الغيث من تجليات رحمة المنّان، يشمل به الكون والجَنان، بعين الرأفة والحنان.

يُنزل الله الغيث بأمره على الأراضين القاحلة فتَخْضَرّ، وعلى التُرَب الجدباء فتَخْصَب، فَيحيا بسقياه الوجود، وتبتهج برؤيته النفوس.

وإنزال الغيث في الكون رحمة، وإمساكه كذلك رحمة لحِكْمَة لا يعلمها إلا هو.

أمّا غيث الأرواح فمِداده دائم غير مُنقَطع، لا يمنع هطوله على القلوب سِوا الحُجُب التي يُحرِم الإنسان بها نفسه من قبول غيث المُغيثالأعظم، الواهب الأرحم.

فما أحوج القلوب القاحلة إلى أن تُزيل عن سماءها الحُجُب المانعة من هطول فيض الرحمة الإلهية الواسعة.

ظاهر البرد وباطنه في لوحة “أوتومات” لإدوارد هوبر

تتجلى في أعمال الرسام الأمريكي البارز إدوارد هوبر مظاهر الوحدة وانعزال النفس عن المحيط الذي تعيش فيه، وهي عزلة إجبارية يقع المرء فيها بلا اختيار منه إنما يفرضها عليه واقع الحياة المدنية الحديثة ونمطها. 
 
ونجد في أعمال هوبر قدرة فائقة على التعبير بإبداع فني عن مظاهر الأشياء والأجواء العامة للحياة اليومية، وكذلك امتلك هوبر قدرات لا تقل إبداعاً للتعبير عن بواطن النفس من خلال طريقة تمثيله للشخصيات في لوحاته.
 
يدعونا هوپر في لوحة Automat إلى استشعار مظاهر البرد، والتي يبرزها من خلال تفاصيل صغيرة مثل المدفأة والمعطف والقفازات والظلام الحالك في ليل الشتاء الطويل.
 

“الحرب الباردة على الكينونة العربية”

انتهيت من قراءة الكتاب الأول من سلسلة الدكتور مختار الغوث والتي عنونها باسم “الحرب الباردة على الكينونة العربية”، وأعتقد بأن هذا المشروع والمشاريع المشابهة له تسلط الضوء على موضوع مهم وملح في هذا الزمن بشكل خاص ألا وهو موضوع أهمية الاعتناء باللغة العربية وارتباطها بالهوية الثقافية للفرد والمجتمع.

قد لا يكون الأمر مهم بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا في ظروف اجتماعية وثقافية مختلفة كان فيها الحد الفاصل ما بين مظاهر ثقافتنا الخاصة والثقافات الأخرى واضح بشكلٍ لا يصعب فيه علينا تحديد ماهو داخل في ضمن ثقافتنا وماهو خارج عنه. فعندما كنا نشاهد مسلسلات كرتون او أي منتج ثقافي وارد من ثقافة أخرى فإننا نستطيع التمييز بأن المظاهر التي نراها في هذا المنتج تنتمي إلى مجال ثقافي مختلف عننا وأن ما نشاهده من عادات ثقافية واجتماعية في المسلسلة لا تنتمي لنا. كنا ندرك بأن جيم عندما كان يقدم الجعة إلى القبطان في مسلسل جزيرة الكنز فإن الجعة مشروب مستنكر في مجالنا الثقافي، وعندما نقلد القبطان في شرب الجعة ببراءة فإننا نقلده بحذر خوفا من توبيخ الكبار وغالبا ما ينتابنا تأنيب الضمير بعدها. وعندما نشاهد هايدي تجري في المراعي الخضراء فإننا نعلم بأن هايدي وعائلتها والمراعي والجبال الخضراء وأسلوب حياتهم ينتمي إلى مجال ثقافي آخر مستقل عنا، لذلك عندما يسافر أحدنا إلى جبال الألب فإنه يستحضر هذه الصور والمظاهر الطبيعية والاجتماعية التي يعلم بأنه لن يجدها في ثقافته.

ولكن الوضع اختلف تماماً الآن، فالثقافة الغربية متغلغلة ومهيمنة بشكل لا يجعل الأطفال، أو حتى أغلب الكبار، يدرك بأنها واردة من فضاء ثقافي آخر لا ينتمي له، ويصعب عليه التمييز بسهولة بين ما ينتمي لنا وما ينتمي إلى الآخر.

والأمر يتعدى الأطفال وما يشاهدونه فالآباء والأمهات جزء من المشكلة كذلك للأسف، فما أقبح من أن ترى آباء وأمهات يتحدثون مع أبنائهم باللغة الانجليزية في الحياة اليومية من غير ضرورة وحتى مع عدم إتقانهم لها حيث تسمع الكثير منهم لغتهم الانجليزية ضعيفة ومليئة بالأخطاء ومع ذلك يصرون على هذا الأمر، وأجزم بأن فعلهم ليس بسوء نية منهم إنما هو الانهزام الثقافي والجهل قاتله الله!!

ولا يقتصر الأمر على الأطفال وتنشأتهم فقط، فإن اللغة الدارجة في بيئات العمل الحديثة هي اللغة الإنجليزية لدرجة أن من لا يتحدث الانجليزية ولا يحشو كلامه بمصطلحاتها، وإن لم يكن بحاجتها، ينظر له بعين الازدراء.

لذلك فإني أعتقد بأن أي شخص يعيش في الفترة الحالية من غير وعي كبير بخطورة هذه المظاهر سوف ينزلق لا محالة في نفس المنزلق من غير قصد منه، فمن الواجب على كل شخص مدرك لأهمية الأمر رفع الوعي بخطورة الأمر وتبعاته السلبية على الثقافة والهوية على المدى الطويل.