في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” يذكر الأديب السوداني الكبير الطيب صالح العبارة التالية:
“نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوربي، فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى، كأنني نغمة من دقات قلب الكون نفسه. إنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منّت عليها الطبيعة بالماء والخصب، ولكنه كشجيرات السيال في صحاري السودان، سميكة اللحى حادة الأشواك، تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة”.
الطيب صالح
استغرقت وقتاً طويلاً في التفكر والنظر في الجملة الأخيرة: “تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة”. لعله بسبب تناولها لثنائية الموت والحياة بشكل جسور، فهي تجعل الإنسان نداً للموت، أو تعطيه بصيص أمل في القدرة على قهر الموت. حتى وإن كان هذا الأمل مجرد وهم ليس إلا، فالموت واقع لا مفر منه. ولا يوجد تعبير عن حتمية الموت الذي لا يقهر أبلغ من تعبير الشاعر الجاهلي أبو ذؤيب الهذلي في القصيدة التي يرثي فيها خمساً من أبنائه ماتوا في عام واحد بسبب طاعون، والتي يقول في مطلعها:
ثم يقول يصف حرصه على حماية أبناءه والدفاع عنهم ولكن الموت قهر كل محاولته:
وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
نعود لعبارة الطيب صالح، فهو يعطينا فيها وصفة مجربة من مظاهر الطبيعة المحيطة بالإنسان للكيفية التي يمكنه بها أن عيش الحياة الطيبة. فالإنسان هو ابن بيئته، ولعله يجد فيها الدليل الهادي للطريقة يمكن له أن يعيش حياته على النحو الصحيح. فشجيرات السيال تكيفت مع بيئتها، وتعايشت مع ظروفها، فنتعلم منها بأن الموت يمكن قهره. وقهر الموت في هذا السياق لا يكون بالسعي المستحيل للتغلب عليه أو تفادي وقوعه، بل يتحقق بأن يزهد المرء في الحياة حتى إذا جاء الموت لم يفرقه عن شيء ثمين، وأن لا يتشبث المرء بهذه الحياة بقدر أكبر من اللازم فكلنا في الحياة لسنا سوا عابري سبيل.
وعدم الإسراف في الحياة قد من ناحية أخرى ضرورة أن يقف الإنسان بالمرصاد لرغابته وشهواته، وأن يحرس نفسه من أهواء نفسه، أو كما تصيغها الخنساء بعبارات بديعة:
وعلى الرغم من قساوة الخنساء في حق نفسها، فإن إهانة النفس قد تكون ضرورة ملحة في زمن سهلت فيه على النفس الحصول على ما تشهيه، وتلبية ما ترغب به.
وعدم الإسراف في الحياة قد يعني من وجه ثالث من ناحية أخرى بأنه الأجدى أن يحجًم الإنسان في بعض الأحيان من طموحاته وأن يقصر من سقف توقعاته فإنك في نهاية الأمر (لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا).
ولعل هذا النوع من الدعوات لتناول الحياة باقتصاد ووزهد وواقعية يقف في وجه الدعوات الرائجة لأن يطلق الإنسان العملاق الذي في داخله، ويجري وراء الطموحات الكبيرة والأحلام العظيمة. لذلك كانت إشارة الطيب صالح ذات معنى في مقدمة العبارة عنما ذكر الجملة التالية: (نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوربي فلاحون فقراء)، فالعالم الصناعي الأوربي، هذا العالم الحديث الذي يبني تصوراتنا نحو الحياة اليوم، هو في حالة حركة دؤوبة وجري وسعي مستمر، حتى أصبح الجري بحد ذاته غاية، والسعي المستمر هو المقصد، والحركة هي الهدف. ولكن هذا لا ينفي حاجة الإنسان إلى السعي والعمل ولكنه يجب أن يكون سعيا مقصود لغاية تسمو على الكسب المجرد وإشباع الرغبات، فلعل في ذلك سبيل لأن نعيش حياة أكثر رضا وطمأنينة.
يشير المفكر ومؤرخ الفنون البريطاني الراحل كينيث كلارك في برنامجه الوثائقي البديع (حضارة) إلى التباين ما بين نمطين معماريين تاريخيين في أوروبا، الأول هو النمط القوطي الذي كان سائداً في الفترة المتأخرة من القرون الوسطى، من القرن الثالث عشر وحتى الخامس عشر الميلادي تقريباً، وتمثل في الكاثدرائيات والكنائس الضخمة التي بنيت في تلك الفترة، أما النمط الثاني فهو النمط المعماري الذي نشأ في إيطاليا أبان عصر النهضة وذلك في بداية القرن الخامس عشر الميلادي.
ويكمن التباين في كون النمط القوطي يتميز بالفخامة والضخامة والتعقيد والذي يعبر عن عظمة الخالق، ويبعث شعوراً بالرهبة التي يجب أن يشعر بها المتعبد داخل دار العبادة، وهو كذلك يعكس التصور الديني الذي يرى بأن القوانين الهندسية والرياضية ماهي إلا جزء من السنن الكونية التي وضعها الله تعالى لتنظيم الكون.
في المقابل فإن نمط عصر النهضة الإيطالية يحمل تصورات مختلفة تماماً، فهو يعبر عن الإنسان، ويمثل تواضع المخلوق مقارنة بعظمة الخالق الذي كان تعبر عنه الكاثدرائيات القوطية. لذلك نراه يتصف بالبساطة والوضوح والأناقة والتناغم المبني على القوانين المنطقية للعقل البشري.
:كاثدرائية شارتر في فرنسا نموذج لعظمة العمارة الدينية القوطية
الكاثدرائية من الداخل
كاثدرائية شارتر من الأعلى
في المقابل يعبر القصر المركزي في قرية أوربينو الإيطالية عن رونق عمارة عصر النهضة:
كان من دواعي سروري بأن أتشرف بمحاورة الدكتور سعد البازعي في حفل نادي اقرأ وفكر بمناسبة عقد النادي لـ200 لقاء على مدى 5 سنوات، وذلك في يوم الجمعة الثامن من شهر جمادى الآخر 1442 الموافق الثاني والعشرين من شهر يناير2021.
كانت إدارتي للقاء من الأحداث المهمة في حياتي حيث أن مثقفاً كبيراً مثل الدكتور سعد اعتدت على قراءة مقالاته ومشاهدته في التلفاز وممن أحسبهم من القامات التي تفصلني عنهم مسافة كبيرة، لم أتخيل بأني سأجلس في يوم ما على الطرف الآخر من الطاولة للحديث معه بشكل مباشر أمام جمهور عام. أدين بالفضل في ذلك للدكتور أولاً لقبوله الدعوة وتفضّله بالحضور، ولإدارة النادي لتنظيمها للحدث الثقافي الرائع والذي لاقى إعجاب واستحسان الدكتور والحضور كثيراً.
تحدث الدكتور عن موضوع المفاهيم وكيف تنتقل من ثقافة لأخرى، وكيف تتأثر الدلالات التي تحملها هذه المفاهيم في عملية الانتقال بشكل قد يشوهها أو يكيفها بشكل صحي في بيئتها الجديدة. كذلك تناول الدكتور بشكل سريع عوامل انتقال المفاهيم ومنها التفوق الثقافي الذي يجعل الشعوب ذات القوة الحضارية الأكبر قادرة على نشر مفاهيمها بشكل أوسع وبتأثير أقوى من الحضارات الأقل قوة.
ولم ندرك إلا وقد داهمنا الوقت واضطررنا لإنهاء اللقاء ونحن لم نرتوي بما يكفي من المعين الفكري والثقافي للدكتور سعد والذي وعدنا بعقد لقاء آخر نرتقبه بشدة قريبا بإذن الله.
وهذا اللقاء هو التجربة الثالثة لي في نقاش أسماء ثقافية مخضرمة ولامعة، حيث شاركت في التحضير للنقاش الأستاذ إبراهيم البيلهي في شهر ديسمبر 2017. وأدرت النقاش مع الدكتور مرزوق بن تنباك في شهر ديسمبر 2019. ولعل من لم يخض مثل هذه التجارب الثرية لا يدرك مدى المتعة والفائدة من اللقاء المباشر مع مثل هذه الأسماء، وكذلك مدى المشقة التي يتطلبها التحضير والاستعداد لكي يكون الشخص في المستوى المناسب للشخصية المقابلة وللحدث.
من الدروس المهمة هو ضرورة توثيق مثل هذه الأحداث بشكل متقن حيث أني لم أجد صور ذات جودة عالية من لقائيّ الاستاذ البليهي والدكتور مرزوق 🙂
طرحت عالمة الأنثربلوجيا الراحلة ماري دوقلاس نظرية في علم الاجتماع أخذت حيزاً كبيراً من اهتمام المختصين بالأنثروبولجيا وعلم الاجتماع. حيث افترضت دوقلاس، من خلال دراستها لسلوك القبائل البدائية في أفريقيا، بأن الأفراد في المجتمع يميلون في الغالب إلى محاولة الحفاظ على النظام الاجتماعي السائد أو ما تسميه دوقلاس ب”التصور العام للحياة”،وهو تصور لا يتبناه الفرد بشكل واعٍ ومقصود، إنما يتشربه من المجتمع بشكل تلقائي، فيصبح الأساس الثقافي الذي يبني الفرد من خلاله تصوراته للحياة ونظرته للأشياء وتتشكل عبره سلوكيات الفرد بشكل عام.
قسمت دوقلاس هذه التصورات إلى ٤ أقسام بناء على معيارين: الأول هو مقدار القيود الاجتماعية التي تفرضها المجموعة على أفرادها، والثاني مقدار الترابط والتجانس بين أفراد المجموعة:
يعتبر المظهر الخارجي أحد الأدوات المهمة التي يوظفها الفرد في المجتمع لتعزيز انتماءه للتصور الذي يفترض أنه ينتمي إليه. وتاريخيًا كان التمايز والاختلاف واضحاً بين المجتمعات والثقافات من ناحية المظهر الخارجي وطريقة اللبس والتزيّن وغيرها، فكل مجتمع يملك منظومة أزيائه وعاداته الشكلية الخاصة به النابعة من تقاليده وبيئته الخاصة. أما في العصر الحالي فقد بدأت الاختلافات الظاهرية بين المجتمعات في التلاشي بعد انفتاح الثقافات على بعضها البعض، وسهولة التواصل بين الأفراد من ثقافات مختلفة. وفي نفس الوقت فرضت العولمة قوة اقتصادية تقدم لنا منتجاتها التجارية النابعة من ثقافتها (الثقافة الغربية). هذه العولمة التجارية أزالت الحاجز ما بين المجتمعات من ناحية المظهر وممارسات الحياة اليومية، فالشكل التقليدي للفرد الياباني أو الروسي أو النيجيري أو السعودي أو الفرنسي بدأ في التلاشي لصالح مظهر حديث متشابه إلى حد كبير.
إن الرأسمالية المعاصرة مصحوبة بالعولمة التي مكنت الشركات الاستهلاكية الضخمة من تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية للمجتمعات، غيرت من الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع مجتمعه والطريقة التي يعبر بها الفرد عن انتماءاته الاجتماعية. فالفرد في العالم الاستهلاكي يعبر عن انتماءه من خلال سلوكه الاستهلاكي والبراندات التي يربط هويته بها. وهنا تأتي الطريقة التي تشحن بها الشركات البراند بالدلالات التي تجعله رمزاً معبراً عن الانتماء الاجتماعي. فيعبر الفرد اليوم عن انتمائه لفئة اجتماعية أو لأخرى عبر نوع سيارته أو جواله أو ماركة ملابسه، ويعلن الفرد رفضه للانتماء من خلاله خياراته الاستهلاكية كذلك. ويشبع الفرد حاجته للانتماء والارتباط من خلال تشكيل (قبائل استهلاكية) تتشكل حول براند معين أو منتج ما. فالأفراد الذين يقتنون منتجات شركة آبل مثلاً يمثلون قبيلة حصرية، يقتنون منتجات الشركة ويدافعون عن سمعتها، ويتشاركون اهتماماتهم وهمومهم من خلال منصات التواصل التي تجمعهم، ويمدون لبعضهم البعض يد العون والمساعدة بكل سرور، فإن احتجت مثلاً لشاحن جوال ستجد من أفراد القبيلة من يتبرع بشاحنه لك بلا مقابل.
وبالعودة لنظرية ماري دوقلاس فإن المظهر الذي يحدد انتماء الفرد الاجتماعي أصبح يعبر عنه اليوم من خلال طريقة استهلاك الفرد. فلقد تحولت المجتمعات التقليدية خلال العقود الأخيرة إلى مجتمعات استهلاكية يتشكل التقسيم الاجتماعي لفئات المجتمع فيها من خلال الانتماءات الاستهلاكية لأفرادها. مدفوعة بمصالح المؤسسات الرأسمالية الحديثة التي تملك من أدوات التأثير الثقافي مالا يخطر على البال، فتتمكن بكل سهولة من تحويل قيمة الفرد ومكانته الاجتماعية إلى مجرد مسألة استهلاكية مرتبطة بنوع المنتج الذي سيقتنيه أو السلعة التي سيمتلكها، أو بعبارة أخرى فإن قيمة الفرد في العالم الرأسمالي المعاصر تتحدد بمقدار استهلاكه. هذا التحول ينتج عنه توسع الثقافة السطحية الهشة التي تتمحور بشكل كامل حول المظهر، ولا تتجاوز المظهر أبداً إلى “الجوهر”، ذلك المكان الذي تقع فيه ذات الإنسان الحقيقية وحيث يجد تفرده الأصيل.
مقطوعة Miserere mei Deus هي تراتيل مسيحية ألفها الموسيقي الإيطالي غريغوريو أليغري Gregorio Allegri في حوالي 1630م، ومن شدة إعجاب البابا في ذلك الوقت بها منع تأديتها خارج كنيسة سيستين الشهيرة في روما، فتخيل روعة الإحساس وأنت تسمع هذه اللحن والأداء البديع وتشاهد رسومات مايكلانجلو المذهلة في أسقف الكنيسة.
ظلت هذه المقطوعة تؤدى بشكل حصري في كنيسة سيستين حتى استطاع موتزارت في إحدى زياراته لها في حوالي 1770 من أن يدون النوتة الموسيقية لللحن فانتشرت من بعدها.
تمثل هذه المقطوعة مثال مميز لأسلوب البوليفوني Polyphony الموسيقي والذي يتميز باحتوائه أكثر من لحن ورتم يؤدون بشكل متوازي ليشكلوا مقطوعة موسيقية متجانسة، حيث تصل مستوى التداخل اللحن في هذه المقطوعة في ذروتها في نهاية المقطوعة إلى 9 أصوات مختلفة.
ويحمل هذا الأسلوب بذرة الموسيقى الأوركسترالية التي تطورت بعدما خرجت الموسيقى فيها من الإطار الديني على أيدي الموسيقيين الكلاسيكيين العظماء في أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وما تلاهما.
أمر ما لا أعلم ماهو يجذبني لموسيقى حقبة “الباروك” Baroque.
هل هو فخامتها المصطنعة؟
هل هو سعيها للكمال الفائق والتجانس التام؟
هل هو طبيعة الآلات العتيقة المستخدمة فيها؟
هل هو وضوح ملامح القرون الوسطى في طياتها؟
هل هو النبرة الدينية/الكنسية التي لا تزال عالقة بها والتي تضيف عليها طابع روحاني غامض؟
هذه السوناتا الباروكية للإيطالي دومنيكو سكارلاتي (1685م- 1757م) تعزف بآلة الهاربسيكورد القديمة السباقة للبيانو والتي تم تأليف هذه المقطوعة لكي تعزف عليها.
وهنا تعزف بالقيتار بشكل مبدع من عازفة القيتار الكلاسيكي أنا فيدوفيتش
ملاحظة: يُشكل على المختصين ترجمة كلمة Brand حيث أن الترجمات المتداولة مثل “هوية تجارية” أو “علامة تجارية” أو “ماركة” لا تحمل نفس المعنى الشامل الذي يحمله مفهوم Brand. وعلى الرغم من قيام أحد المختصين بطرح محاولة جيدة لترجمة Brand ب “الوسم” و Branding ب”الأيسام” إلى أن هذه الترجمة لم تتداول بعد على نطاق واسع. لذلك سأستخدم في هذا المقال الكلمة الإنجليزية “براند” للتعبير عن المفهوم الشامل للعلامة التجارية وما يصاحبها من شعار وهوية وألوان وتجربة مادية ومعنوية وغيرها من العوامل التي تصنع الصورة الذهنية للكيان.
لعله لا يوجد بيننا أحد يجهل شعار شركة نايكي أو لم يره من قبل. يذكر فيل نايت مؤسس شركة نايكي في سيرته الذاتية بأن شعار شركة نايكي، أحد أبرز وأشهر وأهم الشعارات التجارية في التاريخ، قامت بتصميمه طالبة متدربة مقابل 35 دولار فقط، حيث كان كل ما يحتاجه هو شعار لشركته في بدايتها في عام 1971م.
أما شعار شركة آبل الحالي أحد أعلى العلامات التجارية قيمة على الإطلاق (التفاحة المقضومة) فتكثر القصص حول سبب وجود القضمة فيه، ولعل أشهره تفسير بأنها يرمز لقصة تفاحة آدم عليه السلام. ولكن مؤرخ سيرة مؤسس آبل ستيف جوبز يذكر بأن القضمة ليس لها مغزى محدد، وإنما أصبحت هذه القصة تمثل أسطورة مرتبطة بتاريخ الشركة.
Semiotics: علم العلامات
في نهاية القرن التاسع عشر طرح عالم اللغويات السويسري فيرديناند دو ساسور نظرة متفردة لطريقة تفاعل المجتمع مع الرموز والدلالات، حيث حاول فهم العلاقة ما بين “الكلمة” كرمز يتكون من أحرف مجردة ومابين “الدلالة” التي تضيف للكلمة المعنى، فساهم بذلك في تأسيس علم العلامات (Semiotics). يذكر ساسور بأن العلامة هي أي رمز يحمل معنى محدد (دلالة) والتي تنشأ في الغالب بشكل عشوائي وغير ممنهج Arbitrary، فلا توجد قواعد تحتّم على المجتمع تسمية الشيء بطريقة معينة، إنما تحمل العلامات معناها بحسب السياق الثقافي والاجتماعي الذي تنشأ وتتداول فيه.
مثلاً فإن حرف الألف (أ) يستمد دلالته ومعناه بسبب اتفاق مجموعة من الناس على أنه يمثل صوتا محدداً. وعندما نجمع الأحرف التالية (ج، م،ل) في كلمة واحدة “جمل” فهذه الكلمة تحمل معنى لأن المتحدثين باللغة العربية اتفقوا على أنها ترمز لحيوان معين. بالتالي من دون هذا المعنى المضافة تكون الرموز والكلمات مجرد مقاطع صوتية لا معنى حقيقي لها.
هذا العلامات لا تقتصر على الكلمات والرموز الثقافية فقط بل تشمل أي علامة يتداولها المجتمع ومنها البراند التجاري كبراند نايكي وبراند آبل.
البراند: رمز ودلالة
إن نظرنا إلى البراند من منظور المعنى والدلالة سنجد بأنه عبارة عن علامة تحمل في داخلها مجموعة رموز، كالشعار والإسم والألوان والهوية وغيرها، تتصف هذه الرموز بالاتساق وتعبر عن كيان ما، وتحمل دلالات ومعانٍ يتم تشكيلها بشكل مقصود أو غير مقصود في ذهن أي فرد يتفاعل مع البراند. لكن في الوقت الذي يقول فيه دو ساسور بأن الدلالات الثقافية تنشأ بشكل عشوائي Arbitrary في الغالب إلا أن دلالات البراند يتم خلقها لكي تحقق مصلحة الجهة أو المنتج الذي يعبر عنه البراند، سواء كانت المصلحة تجارية أو غيرها. وهذا يحيلنا إلى التساؤل حول الدوافع والطريقة والأغراض التي تصنع الشركات من أجلها البراند وكيف تسعى الشركات من خلالها إلى التأثير على الفرد والمجتمع سعياً لتحقيق مصالحها.
التسويق: من إشباع الحاجة إلى خلق المعنى
يذكر رائد علم التسويق الحديث فيليب كوتلر بأن علم التسويق تطور خلال سنوات عمره التي تقارب المائة عام، ففي بدايته كان التسويق يعنى بالمنتج الذي يعمل على إشباع حاجات عملية عند أفراد المجتمع، أما اليوم فإن التسويق يتمحور حول البراند الذي يسعى إلى خلق معانٍ للحياة ومظاهرها في ذات الفرد. هذا التحول في العملية التسويقية يعكس أمرين مهمين: الأول هو التغير الثقافي في المجتمع الغربي الذي حصل فيه هذا التحول حيث ظهرت فيه الحاجة إلى استلهام المعنى من إطارات ثقافية مختلفة عن الإطارات التقليدية الصلبة (الدين، الجماعة، التقاليد…) .والأمر الثاني هو حجم تأثير الشركات في تشكيل تصورات الفرد والمجتمع حول الحياة بطريقة أصبحت فيها الشركات هي من تقدم إجابة على الأسئلة الكبرى في الحياة بدلا من الدين والفلسفة والتقاليد.
البراند: مصدر المعنى في الحياة الحديثة
يضرب المثل في الغرب على تأثير الشركات في صنع المعنى بما في ذلك المعنى الديني من خلال الطريقة التي أشهرت بها شركة كوكاكولا شخصية بابا نويل وجعلته رمز شعبي يرتبط باحتفالات الأعياد المسيحية.
وعلى شاكلة كوكاكولا أصبحت شركة زين تقوم بصنع المعنى المرتبط بشهر رمضان وعيد الفطر من خلال إعلاناتها في هاتين المناسبتين.
ترسل شركة زين رسائل عن السلام والعطاء والكرم وغيرها من القيم، وهي رسائل جيدة بشكل عام لولا أنها جزء من أنشطة الشركة لتعزيز البراند الخاص بها في ذهن المتلقي بهدف تحصيل الربح المادي من المناسبة الروحانية.
وستاربكس هي مثال حي على قوة تأثير الشركات في صنع التصورات في أذهان الفرد. فقد قام هوارد شوارتز بتأسيس ستاربكس لكي ينقل للمستهلك الأمريكي تجربة المقاهي الإيطالية العريقة وثقافة القهوة فيها. لكن في الواقع فإن الفرد عندما يدخل إلى مقهى ستاربكس فهو لا يعيش ثقافة القهوة الإيطالية بحقيقتها بل بالطريقة التي صنعتها ستاربكس وأوهمت العميل بها.
نعيش في منظومة ثقافية عالمية يقل فيها الإشباع الروحي تدريجياً لأسباب مختلفة، مما يخلق فراغاً لدى الفرد يتم إشباعه حاليا بالمنتجات الاستهلاكية، والبراند يلعب دورا أساسيا في خلق الدلالة الوهمية التي توحي بأن المنتج قادر على إشباع الفراغ الروحي في داخل الفرد، وهذا ما يسعى صانعوا البراند لبناءه، وهذا هو الدافع المحرك للإنتاج الاستهلاكي.
إن الاهتمام اليوم بعملية صنع البراند يأتي ذلك من منطلق أن الكيان أو المنتج يجب أن يقدم قيمة تلامس كوامن مهمة في نفس العميل وأن تشبع احتياجات ورغبات نفسية يفتقدها المستهلك، وكلما استطاع البراند أن يخلق المعنى الذي يلامس الفئة المستهدفة بشكل أعمق كلما ازدادت فرص نجاحه المادي. ويتمثل هذا الاهتمام المتزايد في واقعنا المحلي من خلال انتشار الوكالات الابداعية المتخصصة في البراندنق وارتفاع أسعارها حيث لا تقل تكلفة صنع براند بشكل متكامل عن ربع مليون ريال. ويتخلل هذه العلمية صنع “فسلفة” البراند و”شخصيته” و”قيمه” و”جوهره” و”أسلوب كلامه” و”طريقة تفكيره”، وغيرها من العناصر التي تهدف إلى خلق تصور ذهني محدد حول المنتج.
إن هذا الاهتمام المتزايد بالبراند عالمياً ومحليا ً في الآونة الأخيرة له أسباب الثقافية والاجتماعية وله آثاره كذلك على الفرد والمجتمع، حيث يعبر عن ازدياد التنافس الاستهلاكي والذي يغذيه الاعتقاد الغير واعي عند الفرد بأن احتياجاته المعنوية يمكن إشباعها من خلال الاستهلاك المادي. وبما أن التجربة الاستهلاكية هي تجربة مصطنعة فإنها بالتالي تجعل الفرد يعيش في واقع مصطنع تخلقه له الشركات التي توهمه مثلاً بأنه يعيش تجربة شرب قهوة في مقهى عتيق في أحد أزقة روما وهو في الحقيقة يعيش تجربة صنعتها له خلية عمل في مدينة سياتل يعمل فيها أعتى خبراء صنع “البراند” و”تجربة العميل” بهدف تحقيق الفائدة القصوى من رغبة الفرد التي خلقتها له الشركة في الأساس، وحولتها إلى احتياج وهمي لأن يشرب القهوة كما يشربها الإيطالي في بلده باحتساء “كارميل ماكياتو” بحجم “غرانديه”، والذي لا يعرفه أي إيطالي يعيش تجربته الاصيلة يوميا التي تحتوي على جذور متأصلة في ثقافة المجتمع، وهي تجربة صُنعت على مدى أجيال بشكل تراكمي كاستجابة لظروف واحتياجات وعوامل خاصة بتلك الثقافة لا تمس من يعيش في الرياض أو طوكيو أو لوس أنجلس بأي شكل من الأشكال.
يذكر الرحالة المستشرق ويلفرد ثيسغر (مبارك بن لندن) في كتاب “الرمال العربية” بأن البدوي لا يتخلى عن الصحراء لأنها المكان الوحيد الذي يكون فيها بكامل حريته، ففي الصحراء الشاسعة تتحقق للبدوي حريته المطلقة، فلا مكان يقيده ولا حدود فيها لعالمه.
مبارك بن لندن
إن كنت مثلي فقد تتساءل حول طبيعة الحرية التي يتحدث عنها ثيسغر والتي يجدها البدوي في الصحراء. ففي نهاية الأمر لا بد أن تكون هناك قيود من نوع أو آخر، قيود اجتماعية، أو قيود دينية. قيود تفرضها الطبيعة وجغرافية المكان، وغيرها من القيود.
يبدو لي إن طبيعة الحرية التي يتحدث عنها ثيسغر هي الحرية النابعة من غياب الارتباط، فالبدوي لا يرتبط بمكان، وموطنه هو المكان الذي حيث يجد في الكلأ والمؤونة له ولراحلته. والبدوي كذلك لا يرتبط بمهنة، فهو يؤدي دوره ضمن النظام الاقتصادي البسيط لمجتمعه وبه تتحقق له سبل العيش.
صورة التقطها ثيسغر لبدوي في الربع الخالي
قدم الفيسلوف البريطاني الراحل ومؤرخ الأفكار أيزايا برلين تصوراً مختلفاً لمفهوم الحرية، حيث أشار في مقالته ذائعة الصيت “مفهومين في الحرية” Two Concepts of Liberty إلى أننا نعني بالحرية مفاهيم مختلفة نرمز لها بنفس الاسم. وعليه فقد قسم الحرية إلى نوعين: حرية سلبية وحرية إيجابية.
الحرية السلبية هي كل ما يتعلق بالفضائات الخارجة عن إطار الفرد، وتمثل مقدار القيود التي تفرضها البيئة على فرد ما والتي قد تمنعه من تحقيق ما يرغب به.
أما “الحرية الإيجابية” فيقصد بها القيود التي يفرضها الفرد على نفسه، وتُعنى بسعي الفرد لتهذيب ذاته وضبط رغباته، فالقيود في هذه النوع لا تفرض من سلطة خارجية بل هي قيود يفرضها الإنسان على حريته سعياً لتحقيق مصلحته.
أيزايا برلين
جوكو ويلنيك Jocko Willink هو قائد عسكري سابق قوات السيلز SEALs ، والتي تعرف بأنها تتصدى لأصعب المهام التي تواج الجيش الأمريكي، وشارك في حروب ضاريه ضد قوات داعش في العراق. عُرف عن ويلنيك قدرته الفائقة على إنجاز المهام الصعبة الموكلة له ولفرقته بكفاءة وفعالية عالية.
بعد تقاعده أخذ ويلنيك يتحدث حول العامل الأساسي الذي ساهم في نجاح فرقته العسكرية، وقام بتوظيف هذا العامل لمساعدة الأفراد والمنظمات على النجاح. كل ما يقوم ويلنيك بتعليمه هو فضيلة الانضباط، ويلخص فلسفته في جملة بسيطة: (الإنضباط يعني الحرية) Discipline Equals Freedom، فالإنسان يتحرر من عبودية الرغبات والشهوات إذا ما تمكن من فرض سيطرته عليها.
فكأن ما يطرحه ويلينك يرتبط بما يطرحه أيزايا برلين حول الحرية الإيجابية من جانب أن الفرد إن لم يقيد حريته بذاته، فإنه سيخضع للقيود المفروضة عليه من البيئة الخارجية. وكلما قيد الفرد ذاته بذاته كلما تحرر من قيود البيئة الخارجية. فالحرية بهذا المفهوم تزداد بمقدار القيود التي يضعها الفرد على نفسه.
جوكو ويلنكس يحقق حريته من خلال الانضباط في ممارسة الرياضة
ختاماً,ففي الوقت الذي تحمل فيه فكرة الحرية أهمية كبرى في ثقافة الفرد والمجتمع، وينظر لها كقيمة عظمى، يتحتم علينا التساؤل هنا: ماهي الحرية؟ ولماذا يجب علينا أن نعتبر الحرية غاية عظمى يصارع الفرد من أجلها وقد يفني حياته سعياً لتحقيقها أو للحصول عليها؟ وفي خضم ذلك يجب أن نستحضر ما يعتبره جان بول سارتر الوجه الثاني للحرية التي يجب أن يرافقها لكي تتحقق بشكلها الفاعل، ألا وهي المسؤولية، فالحرية بلا مسؤولية عبث، والمسؤولية بلا حرية إكراه.
وابي-سابي أكثر من مجرد نظرية في الجمال فهي فلسفة حياة متكاملة
يستمد مبادئه من ثقافة الزن والتي تركز على التاعيش مع الشيء والتاغم مع الطبيعة
الجمال في مفهوم الزن لا يمكن شرحه فهو كالروح الموجودة في ذات الشيء
يحمل وابي-سابي فلسفة معارضة للثقافة الاستهلاكية الصناعية السائدة في زمننا
في قصيدتها التراجيدية “الخيط المشدود في شجر السدو” تبدأ نازك الملائكة سرد قصة خيبة الأمل التي سيلاقيها العاشق في نهاية المطاف بهذه الأبيات:
في سواد الشارع المظلم والصمت الأصمّ
حيث لا لون سوى لون الدياجي المدلهمّ
حيث يرخي شجر الدفلى أساه
فوق وجه الأرض ظلا
قصة حدّثني صوت بها ثم اضمحلا
وتلاشت في الدّياجي شفتاه
تحتل فكرة “الاضمحلال” معنىً محوري في نص نازك الملائكة السوداوي البديع، فالقصيدة بأكملها تتحدث حول الاضمحلال والذي يصل لأقصى درجاته في صورة الفناء: الفناء المعنوي للحب -أي تلاشيه-، والفناء المادي للمحبوب -أي موته-.
وفي حين تحمل فكرة الفناء والاضمحلال في وعي أغلبنا دلالات سلبية، تأتينا فلسفة من الشرق الأقصى تدعونا للاحتفاء بالاضمحلال وتقديره والنظر للفناء بطريقة مختلفة تجعل منه نقطة بداية بدلا من كونه نقطة انتهاء.
في منتصف القرن الرابع عشر بدأت طقوس تقديم الشاي في اليابان تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام المجتمع والأفراد، حيث انتقلت تلك الطقوس من الصين بكامل تقاليدها التاريخية العريقة حاملة معها المعايير الجمالية الفنية الصينية التي تحتفي بالزخرفة الإبداعية لأواني الخزف المصنعة بإتقان ومثالية عالية. ولكن بعد مرر مائتي عام أحدث شخص يدعى سينو ريكيو ثورة في طقوس شرب الشاي في اليابان حيث طبق عليها المفاهيم الجمالية الروحانية لفلسفة الزِن Zen البوذية والتي تدعو للانسجام مع الطبيعة والتصالح مع حركة الأشياء الطبيعية نحو نهاية محتومة، فالحياة بالنسبة إلى المادة ماهي إلا مسيرة نحو الفناء الذي تتشكل من خلاله المادة من جديد بشكل آخر أو بهيئة مختلفة. وبذلك نشأ مفهوم وابي-سابي Wabi Sabi والذي يشكل أحد العناصر المهمة التي تشكل الفلسفة الجمالية اليابانية إلى وقتنا الحاضر.
يصعب شرح مفهوم وابي-سابي بشكل مباشر، فهو فكرة فلسفية روحانية تحدد طريقة الرؤية الجمالية للأشياء وكيفية التعايش معها، ومستمد بشكل أساس من فلسفة الزن Zen المطعمة بعناصر من الديانة الداوية Daoism.
تنظر فلسفة الزن للجمال على أنه عنصر لا يمكن شرحه أو تفسيره فهو مطوي في ذات الشيء تماماً كالروح التي تحتويها الجسد ولا يمكن تفسيرها أو الإحاطة بها، فالجمال في فلسفة الزِن لا يتمثل في معايير معينة يجب استيفائها ليكون الشيء جميلاً، على العكس تماماً من التصور الصيني والغربي الكلاسيكي للجمال الذي يتمثل في السعي لبلوغ الكمال والمثالية. وبما أن الأشياء متغيرة في طبيعتها والحياة تسير في اتجاه واحد نحو الفناء، وبما أن فلسفة الزن تركز على التعايش مع الحالة الطبيعية للشيء وتعتبر أن الشيء الطبيعي يحتوي على الجمال في ذاته، بالتالي فإن الجمال هو شيء لا يمكن تخليده عبر لوحة أو تمثال أو صورة أو أي شكل آخر لأن تخليد الشيء ينافي طبيعته المتغيرة، وإذا سعينا إلى تخليد الجمال فإننا لا نكون في حالة تعايش مباشر مع الشيء إنما نتعايش نسخة من الشيء في لحظة زمنية ما وهذا ينافي الطبيعة وحركتها المستمرة نحو الفناء. بالتالي فمهما كانت عناصر الجمال التي نرغب في تخليدها فإنها ستكون مزيفة لأن الجمال في أصله يكون في طبيعة الشيء في ذاته، واستشعار الجمال يكون في التعايش مع الشيء الطبيعي كما هو في حالاته المتغيرة.
قام سينو ريكيو بتبسيط طقوس تقديم الشاي وشربه فقام بصنع أدوات الشاي بطريقة تحتفظ فيها الأدوات على الآثار والمظاهر الطبيعية للمادة الأصلية بقدر الإمكان، والاحتفاء بالتغير الناتج من التقادم وآثار الزمن الظاهرة على الأدوات، والاكتفاء بعناصر الطبيعة من أشجار ونباتات في تزيين أماكن شرب الشاي، وبالتالي أحدث ثورة على التوجه الصيني للجمال الذي يتصف بالفخامة والسعي للمثالية والكمال. وتمثل هذه الثورة ظاهرة مشابها للثورة الفنية الذي انتجتها مدارس الفن الحديث في الغرب مع بداية القرن العشرين، ولكن في الوقت الذي توجهت فيه مدارس الفن الحديث لكسر تقليدية المفاهيم الجمالية من خلال الفن بذاته، بينما تخلص مفهوم وابي-سابي من الأدوات الفنية المصطنعة التي هي في الأساس إعادة لتشكيل الطبيعة وموادها سعيا لتخليدها في قالب جمالي، وآثر العودة للأساس الطبيعي للجمال المتمثل في الطبيعة كما هي من غير التحكم بها أو إعادة تشكيلها، لأن أي إعادة تشكيل هو قتل للحركة الطبيعية للشيء.
ولأن مفهوم وابي-سابي في جوهره هو محاولة للتعايش مع الشيء الطبيعي كما هو فإنه يتضمن رفض للظواهر الاستهلاكية الحديثة والتي تلبي احتياجاتنا من خلال منتجات استهلاكية مصنعة رخيصة التكلفة من جانب ولكنها رخيصة القيمة من جانب آخر، فانخفاض تكلفة المنتجات الاستهلاكية نسبيا يدعو للإكثار من الاستهلاك منها من ناحية وسهولة استبدالها من ناحية أخرى، وكون المنتج صنع في الأساس لغرض التخلص منه فإن القيمة المعنوية للمنتجات الاستهلاكية تكون منخفضة كذلك. ويمكن مشاهدة انعكاسات ذلك على حياتنا اليومية بشكل مباشر، فقديما كانت البيوت تحتوي على عدد أقل من المنتجات ولكنها تحمل قيمته معنوية عالية وتمثل جزء من تاريخ المنزل والعائلة (أدوات الطبخ والأكل مثلا، قطع الأثاث والزينة التراثية) ولكن في وقتنا الحاضر يسهل شراء الأشياء ويسهل استبدالها كذلك مما يفقدها من ارتباطها المعنوي ولا يشكل لها وجود في الذاكرة الإنسانية (وكل ذلك هو يتماشى مع فكرة السيولة العالم الحديث). بالتالي تساعدنا فلسفة وابي-سابي علر التغيير السلوكيات الاستهلاكية السلبية، وذلك خلال من خلال السعي أولاً لشراء الشي الذي نعتقد بأننا سنتعايش معه لفترة زمنية أطول، والسعي لأن يكون منتج مستمد من الطبيعة ويسعى للحفاظ على شكلها الطبيعي بقدر الإمكان (لا مكان للبلاستيك في وابي-سابي)، ولأن المنتجات المتوفرة بهذه المواصفات ستكون أغلى في سعرها فذلك يجعلنا نقتصر في اقتنائنا للأشياء على ما نحتاجه فعلا وبالتالي نوليه قيمة معنوية أعلى تجعلنا لا نجنح للتخلص منه حالما بدأت تظهر فيه الخلل وإنما نسعى للحفاظ عليه قدر الإمكان.
ولا يقتصر تطبيق مفهوم وابي سابي على الأشياء، فهو يتشمل الإنسان نفسه كذلك، فهو يدعونا للاحتفاء بآثار الزمان على مظهرنا من غير السعي لإخفائها بشكل غير طبيعي يجعل الشخص يظهر بمظهر مصطنع، فالتجاعيد لها قيمة تحكي تاريخ إنسان ما، والندبات تحكي قصص يجدر بالمرء أن يحتفي بها من إخفاءها. ومظهر الإنسان بشكل عام لا يختلف عن الأشياء الطبيعية فهو شاهد على السير الحتمي للجسد نحو الفناء، بالتالي فالوابي-سابي هي محاولة لتقبل حتمية فناء الشيء بدلا من السعي الذي الغير ناجح لمقاومته.
ولمفهوم وابي-سابي تطبيقاته الجمالية في حياتنا بشكل عام، فبدلا من اقتناء لوحة فنية لتزيين المنزل تدعو وابي-سابي لتزيين المنزل بعناصر من ذات الطبيعة كالنباتات، وبدلا من البحث عن قطع الأثاث المثالية المصنعة بمعايير منمطة يفضل السعي للحفاظ على الأثاث الخشبي والمعدني بالشكل الطبيعي للمادة بقدر الإمكان بكل ما فيها من مظاهر نقص طبيعي كالتآكل والتشقق والتغير الطبيعي للألوان (لا مكان لإيكيا في مفهوم وابي-سابي). وبدلا من التخلص من رداء عند ظهور عيب فيه يفضل محاولة إصلاحه قدر الإمكان، وبدلا من السعي للتخلص من قطعة حديدية صدأة يفضل معالجتها والحفاظ عليها، ولا يعني كل ذلك إهمال الشيء أو الظهور بمظهر غير مهندم، إنما ما يهم هو تقدير آثار الزمن الظاهرة في الأشياء الطبيعية كجزء أساسي من مصير كل كائن حي.
لذلك فمفهوم وابي-سابي هو دعوة إلى تقدير الحياة وطبيعتها المتغيرة الآيلة إلى الزوال، وهو دعوة للسمو إلى الحيز الروحي للأشياء في زمن تجذبنا فيه المادة لقاع الأشياء وحدودها الدنيا، وللتناغم مع الطبيعة في زمن تفصلنا فيه الصناعة عن جوهر الأشياء في طبيعتها، وللارتباط بالأشياء والتمسك بها في وقت تدعونا فيه رؤوس الأموال إلى استهلاكها والتخلص منها. وهو دعوة لتقبل الفناء بحد ذاته باعتباره مكون أساسي من مكونات الحياة.
عبّر فريدرك فيلهلم نيتشه عن جوهر النفس المتمردة بشكل فلسفي بديع. فقد حمل بروفيسور الفيلولوجيا الإغريقية مطرقةً وبدأ رحلة هدم القيم الفاسدة متأثراً بمجال تخصصه الأكاديمي الذي يسعى لتحليل جذور اللغات من منظور تاريخي، فحمل على عاتقه المهمة الجريئة لتحليل جذور النفس من منظور تاريخي كذلك. بحث نيتشه في الجذور التاريخية المشكلة لهوية الفرد الأوربي في فترة زمنية محورية بدأت تتشكل فيها معالم هوية إنسانية فريدة تعتمد في مرجعيتها على ذات الإنسان مولية كامل الثقة فيه والإخلاص له. نظر نيتشه في النفس بعدسة التاريخ متفحصاً المفاهيم الأخلاقية التاريخية التي تشكل جذور النفس وعمق الذات البشرية، ليس بمنهج علمي صارم بل بنظرة الشاعر المتفكر، فلم يترك من بعده منهجاً فلسفياً ولم تكن فلسفته قائمة على الاستدلال أو الاستقراء، بل ترك آثار روحٍ متمردة وعقل متحرر سبر أغوار النفس المتأرجحة في فضاء القيم والحاملة لهم واقع تمرد على التاريخ بأسره. لذلك كان نيتشه نبي الحداثة، جاء من أقصى المدينة لينبه قومه ويحذرهم من عواقب ما يفعلون، فالمجتمع الذي تمرد على التاريخ بعث نبياً متمرداً على المجتمع والتاريخ. وقد لا يكون حديث نيتشه موجهاً للفكر العربي/الإسلامي بشكل مباشر، حيث لا يمكن للفرد منا أن يجري حوار مع نيتشه من منطلقات فضاءنا الفكري. ولكن التفاعلات الحاصلة في مجتمع أوربا في زمن نيتشه تلقي بضلالها على الأرض قاطبة في زمن العولمة الحالي، وفي مجتمعنا بشكل خاص في هذه الحقبة. فكم نحن بحاجة لمطرقة نيتشه لنهدم بها الترسبات التراثية الفاسدة المتأصلة في أعماق العقل الباطن للفرد فلا تمكنه من التفاعل بشكل إيجابي مع نفسه ولا مع العالم، وتتركه حائراً ما بين تراث بائد مقدس وبين واقع يشكله (الآخر) ويفرضه عليه.
أن أستميل الكثير إلى الخروج عن القطيع، ذلك هو العمل الذي جئت من أجله. وسيبغضني الراعي والقطيع، لصاً سيسمي الرعاة زرادشت
“هكذا تكلم زرادشت”
جرأة نيتشه على ماضي أوربا ساهم فيها تحرر الفرد الأوربي من التراث الكاثوليكي وترسباته، لكن النتيجة لم تكن مرضية لنيتشه فقد أودى ذلك إلى (قتل الإله)، ولكن المجتمع الذي قتل الإله سيعيد إحياءه إن كان صادقا مع نفسه مدركاً لنواقصه ممتلكاً لأدوات للبحث والمناخ المشجع له. ولكن الطامة الكبرى هي قتل الإله في مجتمع يرفض مراجعة تصوراته ونقد ذاته وإعادة فهم واقعه وهي مهمة جريئة لا يمكن للمجتمع أن يتصدى لها بشكل جمعي بل هي مهمة تخص الفرد وحده ولا أحد غير الفرد ذاته.
لا تقرأ لنيتشه إن كنت تعتقد بأنه سيقدم لك منهجاً أخلاقيا أو إجابات جاهزة، ولا تقرأ نيتشه مسلماً بكل ما يطرح من استنتاجات، فنيتشه بذاته يجب ألّا يسلم من مطرقته الهادمة، ولكن اقرأ لنيتشه إن كانت لديك الجرأة لحمل المطرقة وهدم قواعد الذات بهدف إعادة بناءها، فكل صعود يسبقه هبوط، وكل شروق يسبقه غروب كما يعلمنا “زرادشت” نيتشه.
أحب أولئك الذين لا يعرفون كيف يعيشون دون أن ينحدروا للأسفل، لأنهم هم من سيعبرون للأعلى